السيد محمد الصدر
363
منة المنان في الدفاع عن القرآن
الروح ، وهو بذلك قد أدخل الفاعل وهي الروح في غير الفاعل وهو الجسد ، كما يدخل الروح في الجنين ، ويدخلها في آدم ( ع ) ، ويدخلها في يوم القيامة ، وحينئذٍ عندما ترى وجهي تعرفني أنا فلان بن فلان ، لكنّي لا أعرف نفسي بوجهي ، بل لا يعرف الإنسان نفسه بوجهه ، بل بإحساسه ووجدانه وشعوره ، فهو الذي ذهب إلى المسجد وصلّى وصام وحجّ وفعل كذا وكذا ، فحينئذٍ يستحقّ الثواب والعقاب . وهذا لا ينافي المعاد الجسماني ؛ وذلك لأنَّ الشيء الذي حصل وخُلق هو المادّة كالمادّة التي في عالم الدنيا ، فقد خلقها الله وأعاد لها الروح ثانياً بعد أن كان أخرجها عزرائيل ( ع ) ، فزيدٌ في الدنيا هو زيدٌ في الآخرة ، لكن بموادّ جديدة مخلوقة إبداعيّة ، وهي معادٌ جسماني ؛ لأنَّ الناس يجتمعون بأجسامهم إجماعاً أو حسبما يُستفاد من ظواهر الكتاب والسنّة . ولو تنزلّنا عن استظهار المعاد الجسماني ، فلنا أن نجيب بالقول : إنَّ الفاعل ليس هو الجسم ، والناس يُحشرون ويتعارفون فيما بينهم ، ولكن ليس بمادّة دنيويّة ، بل بمادّة مناسبة مع ذلك العالم ، فإذا نسبت إلى المادّة الدنيويّة نسمّيها روحاً ، وإذا نُسبت إلى عالم التجريد الأعلى فهي مادّة ؛ لأنَّها ألطف من ذلك وأخفّ من هذا ، وبمعنى متشرّعي هي مادّة البرزخ ؛ أو حالة البرزخ ، فالميّت يبقى بنفس الجسم ويستمرّ من البرزخ إلى ما بعد حسابه وعقابه . والحاصل : أنَّ الجسم وجود برزخي ، وهو مادّة ، لكن ليس كالمادّة الدنيويّة ، بل أرقّ وألطف منها ، وصورته أيضاً صورة المادّة الدنيويّة التي يُحفظ فيه الفاعل ؛ لأنَّ الفاعل أيضاً ليس هو ، وإنَّما أنا ، أي : الكيان المعنوي المطلق ، وذاك الجسد موجود الآن بمعنىً من المعاني ؛ لأنَّ جميع العوالم تجتمع في الدنيا ، كعالم الناسوت وعالم الملكوت وعالم الجبروت وعالم اللاهوت . فعالم